1570 . 11/10/2017

إصدارات في طرابلس

طرابلس عاصمة لبنان الإقتصادية

عبدالمجيد الرافعي

النفط في لبنان

PAGE1

PAGE2

PAGE3

PAGE4

PAGE5

PAGE6

PAGE7

PAGE8

PAGE9

PAGE10

PAGE11

PAGE12

PAGE13

PAGE14

PAGE15

PAGE16

 

 

عن «شجاعة القضاء بالمؤسسة لا بالفرد» وطارق زيادة نائب رئيس المجلس الدستوري

بقلم النقيب رشيد درباس

القاضي طارق زيادة
في يوم واحد، جمعتني وليمتان ثقافيتان، مع قيادات قضائية مرموقة، ونقباء سابقين للمحامين، وكانت فكرة المقال قد بدأت تراودني، فرحت أطرح الأسئلة بأقل الكلمات وأتلقى الصدى بأغزر المعارف.
ما دفعني إلى هذا، أن الوضع القضائي بات مطروحاً بما يليق، ولا يليق، حتى وصل الأمر ببعضهم، إلى أن استقلال القضاء ينحصر باستقلال القاضي في رؤية ملفه، وهذا أدى إلى تداعيات رصينة تصوب الأمور وترفع بوجه هذا الشطط إشارة الوقوف، تحت طائلة تنظيم مخالفات فكرية أقلها تهمة الهرطقة وأدناها الأمية القانونية.
ولقد توكأت على قلم الرئيس طارق زيادة في مقاله الراقي المنشور في نهار الخميس 31/8/2017 بعنوان «شجاعة القضاء كمؤسسة لا القضاء كفرد»، لاستطرد وأقول: إن مثل تلك الاستقلالية المزعومة، إن هي إلا قناع لنزوع مزمن إلى إزهاق الرمق الباقي من منعة القضاء، وهي لا تزيد عن استقلال السائق في قيادة سيارته، بل هي أقل من استقلال المحامي في إدارة ملفه، لأن المحامي يعمل من ضمن منظومة قانونية ونقابية تؤمن له حصانته وحريته وقدسية حقه بالدفاع.
في وليمة المساء من ذلك اليوم الذي أشرت إليه، جلست تحت مظلة واحدة حول طاولة زَيَّنها النقيبان عصام كرم ورمزي جريج والزميل أحمد زين، فدار نقاش ثري، أسماه النقيب كرم «مذاكرة» تطرقنا فيه بعمق إلى فلسفة العدالة باعتبارها أساس الملك، وروى لنا أن عمر بن الخطاب تولى القضاء إبان خلافة أبي بكر، فلم تقدم أمامه شكوى واحدة، فلما تساءل الناس عن السبب، كان الجواب: «خاف القوم من عدل عمر». لكن «الفاروق» ذاته كان يقول «أقضانا علي»، وهذا إن دلَّ على شيء فعلى أن تحقيق العدالة أمر جليل لا يتولاه إلّا الأجلاء.
ومما رواه أيضاً أن المدعي العام الفرنسي Antonin Besson قدَّم استقالته عندما رفض الأمر الخطي المعطى من وزير العدل بناء على تعليمات الجنرال ديغول، وأصدر كتاباً بعنوان le mythe de la justiceأي «خرافة العدالة».
ومن سوانح تلك الأمسية ما رُويَ من أن مظاهرة قادها البرلماني الشيوعي العجوز «مرسال كاشين»، فألقت الشرطة القبض عليه وعلى عدد من المتظاهرين. ولما طلب وزير العدل من قاضي التحقيق إبقاءهم موقوفين خدمة لفرنسا، أجابه القاضي:
pour rendre service même a la France
Je suis ici pour rendre justice et non pasأي «أنا هنا لأقدّم العدالة، لا لأقدّم خدمة حتى لفرنسا».
ومع هذا فالقضاء لا يُقَدِّمُ العدالة بقضاة شجعان استثنائيين، (وهؤلاء موجودون في الماضي والحاضر والمستقبل) بل بمنظومة حصينة ودانية في آن، تمتنع على التداخل، وتبقى في التناول، لأن رجالها (ونساءها أيضاً) نشأوا وتدربوا على ازدواجية حميدة، قوامها الترفع والانغماس، فالحق يعرفه المنغمس في المجتمع، ويحكم به من ترفع عن مصالحه وتطهر من ميوله، وهذا لا يمكن أن يستقيم ويدوم من خلال الأفراد وحدهم لأنهم مهما أوتوا من بسالة محتاجون إلى قواعد وأنظمة ومؤسسات، حتى إذا أمسك القاضي بقلمه وكتب «باسم الشعب اللبناني» انحنت لحكمه الرؤوس، ونفذته السلطة تحت طائلة المساءلة.
أما الأهم في نظري فهو: 
كيف للقضاء أن ينأى بنفسه عما تردت إليه الدولة؟ 
وكيف لنا أن نؤازره على ذلك كي يصون نفسه تُرْساً له دورانه المستقل في آلة حُكمٍ، يستمد منها طاقته؟ 
ربما هي المعادلة الصعبة، لكنها غير المستحيلة، ولهذا ارتأيت، بصفتي مواطناً سلخ نصف قرن في المحاماة، وما يزيد عن ذلك في العمل العام، أن أدلي بدلوي، علَّني أَبُلُّ هذا الجفاف بقطر من الاقتراحات، يدور حولها نقاش قابل للثمر والاستثمار، بدلاً من أن نضرب كفًّا بكف، ويلتمس كل منا لنفسه راحة ضمير متوهمة، بأن يضع المسؤولية على سواه.
أبدأ بالقول إن جفاءً قائمٌ بين السياسة والقضاء، وقد عَبَّرَ عن نفسه عبر الزمن بعلاقات قلقة فيها الكثير من النزوع إلى الهيمنة، واعتكاف القضاة خير دليل. فما كان أغنانا عن تلك الأزمة وذلك التعطيل الذي أهدر ملايين الدقائق من مال اللبنانيين، لو أن السلطتين التشريعية والتنفيذية تنبهتا إلى عدم ولوج ذلك المنزلق، أو لو كان التشريع يخضع لأعمال تحضيرية كما هو الحال في الدولة البرلمانية الحقّة. هذا الجفاء له شِبْهُهُ، وإن بدرجة أقل، بين القضاء والرأي العام اللبناني، وهنا مكمن القوة أو الضعف ومحط الحل أو التعقيد. وعليه أوجز رأيي بنقاط محددة، بعد التأكيد على أن القضاة أصحاب حقوق لا جدال فيها، لكنهم من قبلُ أصحاب الميزان.
أولاً: يستطيع القضاة أن يكسبوا الرأي العام بلا معركة، وإنما بسرعة الفصل، وذلك بالتقيد بأحكام الأصول المدنية وبرفع الإنتاجية.
وفي هذا الصدد، لو تجاوزنا القيمة المعنوية لفكرة العدالة، فإن القضاء في النهاية مرفق اقتصادي تقاس أهميته بإنتاجيته، فإما أن يكون عنصراً محفزاً للنمو، أو عنصراً محبطاً، وكسب الرأي العام يجعل العدالة محصنة بما هو أقوى من النصوص.
ثانياً: أقترح على معالي وزير العدل والقيادات القضائية بلورة مشاريع تحديث البنى التحتية لهذا المرفق، وإلا فإن استمرار البنى (العثملية)، لن يزيل من خيالنا صورة «الباشكاتب» ذي النظارة المنزلقة إلى أرنبة الأنف والطربوش المنتمي إلى زمن غابر.
والتحديث له عناوين المكننة والشبكة الإلكترونية والتبليغ الإلكتروني، وترك التدوين إلى الوسائل الحديثة المستعملة في العالم كالتسجيلات السمعية البصرية والستينوغراف وما إلى ذلك.
ثالثاً: إنشاء معهد للمساعدين القضائيين يُخَرِّجُ كفاءات تواكب كفاءات القضاة وتسهل أمامهم مهماتهم.
هذه حصًى ثلاثٌ رَمَيْتُها في المساحة المائية القضائية، أتمنى أن تُحدث موجات لطيفة، لا عاتية، لأن الأمور الجوهرية تعالج بالحكمة لا بالصراخ.
وأشير إلى أن الملاءمة وحدها هي الأساس في التشيكلات القضائية، فلا ينبغي لهذه أن تنطوي على معاني العقوبات أو المكافآت، كما لا يجوز لها أن تبقى تعاني دوار السنين السياسية التي تتداولها من سلطة إلى أخرى، فكلما أحسن المرء إحاطة منزله بما يليق من الوقار والرصانة، أَوْقَعَ في النفوس مهابة المنزل وصاحبِه.
وفي النهاية، لي ملاحظة أرجو أن يُنْظَرَ إليها بعين الحذر، بل الخوف، وهي أن القضاة المتدرجين يدخلون إلى المعهد من دون اعتبار لِملَّتِهم أو مذهبهم، ولا يحملون من جوازات المرور إلّا تلك الممهورة بنجاحهم في الاختبارات العلمية والنفسية والمسلكية والثقافية، فهم ساعتذاك ماء نمير صاف من كل عُكَارة، لكنه متى أصبح بعد الإعدادِ عذباً زلالًا وأردنا له أن يسيل، أهرقناه في قنوات المذاهب والطوائف التي لكل منها هويَّة منصب قضائي، وبالتالي فإن القاضي الجديد سيسبح في هذه القنوات التي لا تتطابق مع المواصفات البيئية، وسيصب في النهاية عند مرجعية سياسية أو دينية، فنكون كمن جرَّ النبع من نقاء الصخر إلى مرتع الدِّمَن.
أرجو أن يلقى ما كتبت قبولاً حسناً، فهو من مواطن عادي لا يدعي العصمة، إلى كل صاحب عصمة من السادة المسؤولين.



.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية   l   سياسة لبنانية   l   حديث البلد   l   محليات   l   قضايا إجتماعية   

تربية و رياضة   l    مقالات    l   منوعات   l   مساهمات    l   من الماضي 

   2013 Attamaddon Newspaper  جميع الحقوق محفوظة 

Designed by ZoomSite.com

 

 

 
 
Facebook